ابن تيمية
78
المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية
التوصل إلى أخذ حقه من الغير بما يمكنه الوصول إليه بغير رضا من عليه الحق . قال شيخنا : وهذه الحجة ضعيفة ؛ فإن يوسف عليه السلام لم يكن يملك حبس أخيه عنده بغير رضاه ، ولم يكن هذا الأخ ممن ظلم يوسف حتى يقال : قد اقتص منه ، وإنما سائر الإخوة هم الذين كانوا فعلوا ذلك . نعم كان تخلفه عنهم مما يؤذيهم لتأذي أبيهم وللميثاق الذي أخذه عليهم ، وقد استثنى في الميثاق بقوله : { إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ } وقد أحيط بهم . ويوسف عليه السلام لم يكن قصده باحتباس أخيه الانتقام من إخوته فإنه كان أكرم من هذا ، وإن كان من ضمن ما فعل من تأذى أبيه أعظم من أذى إخوته فإنما ذلك أمر أمره الله به ليبلغ الكتاب أجله ، ويتم البلاء الذي استحق به يوسف ويعقوب عليهما السلام كمال الجزاء وعلو المنزلة ، وتبلغ حكمة الله تعالى - التي قدرها وقضاها - نهايتها . ولو فرض أن يوسف عليه السلام قصد الاقتصاص منهم بما فعل فليس هذا بموضع خلاف بين العلماء ؛ فإن الرجل له أن يعاقب بمثل ما عوقب به ، وإنما موضع الخلاف هل له أن يخونه كما خانه أو يسرقه كما سرقه ؟ ولم تكن قضية يوسف عليه السلام من هذا النوع . نعم لو كان يوسف عليه السلام أخذ أخاه بغير أمره لكان لهذا المحتج شبهة ، مع أنه لا شبهة له أيضًا على هذا التقدير فإن هذا لا يجوز في مثل شرعنا بالاتفاق ، ولو كان يوسف قد أخذ أخاه واعتقله بغير رضاه كان في هذا ابتلاء من الله تعالى لذلك المعتقل ، كأمر إبراهيم بذبح ابنه ، وتكون حكمته في حق الأخ امتحانه وابتلاءه لينال درجة الصبر على حكم الله والرضا بقضائه ، ويكون حاله في هذا كحال أبيه يعقوب عليه السلام في احتباس يوسف عليه السلام عنه ( 1 ) .
--> ( 1 ) إغاثة ج 2 / 113 وتقدم في التفسير ف 2 / 242 .